عبد الملك الجويني
398
نهاية المطلب في دراية المذهب
فأما إذا أمكنت العُدّة ، وكثر الجند ، ورغب المطّوّعة ، والكفارُ يجد الإمام منهم في أوساط السنة الغِرّةَ ، واستشعار [ الفشل ] ( 1 ) فلا يليق بالقواعد الكلية ، وقد تجمعت الأسبابُ تعطيل الفُرص ، وهي تمرّ مرّ السحاب ، فلا وجه إلا هذا . ثم القول في هذا يتعلق بمفاتحتهم بالقتال ، وبالاحتراس عنهم ، فأما الاحتراس ، فتجب إدامته بلا فتور ، وذلك بعمارة الثغور ، وإعداد الكُراع والأسلحة ، ونصب المرابطين . ومما يليق بما نحن فيه أن الاكتفاء بنفس الجهاد لا سبيل إليه ، ولا وفاء ببث الأجناد في جميع أطراف ديار الكفار ؛ فإن التمكن من هذا عزيز الكون نادر الوجود ، ولكن ينبغي أن يكون شوفُ الإمام إلى أن يغزي إلى كل جهة من الأجناد ما ينشر منهم النكاية أو الرعب في ذلك القطر ، وإن أمكن من استئصال شأفة الكفار في رقعة الأرض ، فليفعل ، وإن لم يتمكن من إغزاء جنود ، فليبدأ بالأهم فالأهم . هذا أصل القول في ذلك . 11279 - وقد اختلف الفقهاء في أن الجهاد هل كان متعيناً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ، أم كان فرضاً على الكفاية ؛ فقال قائلون : كان متعيناً عليهم ، وكان النَّافرون مقيمين للغزو ، والمقيمون بالأمر حارسين للمدينة ، وكانت ثَغْرَ ( 2 ) الإسلام . وقال قائلون : تعيّن الجهاد على ذوي النجدة منهم ، لكثرة الكفار ، وقلة المهاجرين والأنصار . وقال قائلون : كان يتعين على الذين يعينهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستجيبوا . فإن حملنا الأمر على هذا الوجه على القلّة ، فلا اختصاص ؛ فإن ذلك قد يفرض
--> ( 1 ) في الأصل : " القتل " . وهو تصحيف واضح . والمعنى أن يجد منهم غرة وفشلاً . أي تفرقاً وعجزاً . ( 2 ) ثغر الإسلام : أي عاصمة الإسلام .